المغرب الأزرق
بدأ برنامج كوريا الجنوبية لأبحاث المحيطات في تغيير مساره. فلأكثر من عقدين من الزمن ركَّز البرنامج على اكتشاف المعادن في قاع البحر واستغلالها، و من اجل التوسع في خطة الأعمال البحثية. تم بناء السفينة «آيزابو» Isabu التي تزن 5,900 طن، ولها القدرة على إطلاق مركبات تحت مائية ذاتية التحكم، وإجراء مسوح زلزالية، عن طريق اختراق قاع البحر، وجمْع أكثر من عيِّنة لب رسوبي يصل ارتفاعه إلى 40 مترًا.
تقضي السفينة الرئيسة الحالية «أونوري» Onnuri، التي تزن 1,422 طنًّا، ثلاثة أخماس وقتها في الكشف عن الترسبات المعدنية في قاع البحر، تحت إشراف مجموعة أبحاث المعادن في أعماق البحر التابعة للمعهد الكوري لعلوم وتكنولوجيا المحيطات KIOST في مدينة أنسان. وقد جاء هذا التركيز الاقتصادي الكبير من قِبَل وزارة المحيطات ومصائد السَّمَك، التي تشرف على المعهد، بالإضافة إلى إشرافها على الموانئ والشحن البحري في البلاد.
تسيطر وزارة المحيطات ومصائد السَّمَك على جميع الموانئ، حتى إنه طوال 22 عامًا من العمل، لم يتسنّ لأي باحث أكاديمي من خارج المعهد أن يقود جولة بحرية. قال سانج-موك لي عالم الجيوفيزياء البحرية في جامعة سيول الوطنية: «حقًّا، إنه لأمر مُخْزٍ». فعلى الرغم من أن الباحثين في جامعته وفي أماكن أخرى تمكنوا من العمل على متن هذه السفينة، إلا أنهم قد أُحْبِطوا بسبب التعتيم شبه الكامل عن وجهة «أونوري»، أو الأسئلة البحثية التي تحاول الإجابة عنها.
و قد المعهد شرع في الإعلان عن مسارات جولة «أونوري» القادمة، ودعى الباحثين من الخارج؛ لاقتراح المشروعات التي يمكن تنفيذها على طول الطريق. هكذا صرَّح جي-هون هونج، الذي تولَّى رئاسة المعهد في غشت2014، ودعَّم توسيع قاعدة المشاركة والاستفادة من سفن المعهد البحثية. وأخيرًا، سيتاح الوقت لاستخدام السفن، إذ تصل تكلفته حاليًّا إلى ما يقارب 12,000 دولار يوميًّا، من خلال نظام الجدارة والاستحقاق.
يرجع تركيز كوريا الجنوبية على التنقيب عن المعادن إلى وقت تأسيس المعهد في أوائل السبعينات، في منتصف فترة من الانتعاش الاقتصادي للبلاد، دامت لعقود. في ذلك الوقت، بدت العُقَيْدات متعددة الفلزات ـ كرات من المنجنيز وفلزات أخرى مثل الحديد، والنيكل، والكوبالت والتي تتراكم في قاع البحر ـ كمورد قَيِّم محتمَل. ورغم تضاؤل الاهتمام العالمي بالمعادن في العقود اللاحقة، إلا أن حكومة كوريا الجنوبية استمرت في تمويل الأبحاث حول هذه العُقَيْدات وغيرها من الرواسب المعدنية في قاع البحر.
وعن تأمين الموارد المعدنية البحرية، تحدَّث جاي-وون مون، رئيس مجموعة أبحاث المعادن في أعماق البحر التابعة للمعهد الكوري لعلوم وتكنولوجيا المحيطات، قائلًا: «إنه لأمر بالغ الأهمية للكوريين، بسبب ندرة الموارد الطبيعية الأرضية». إن ارتفاع أسعار الفلزات جدَّد من الاهتمام العالمي بها، إذ تزعم شركة «نوتيلس مينيرالز» Nautilus Minerals في تورونتو بكندا، أنها على بعد عامين من البدء في استخلاص الذهب، والنحاس، والفلزات الأخرى من قاع البحر قبالة دولة بابوا غينيا الجديدة، لكن هناك تشكك كبير حول تعدين قاع البحر. يصف لي الفوائد الاقتصادية المزعومة بأنها «كذبة كبيرة تقولها حكومات كوريا، والصين، والهند لشعوبها». كما أن كيونجسك تشوي، الباحث في الرسوبيات البحرية في جامعة سيول الوطنية، لا يعترف بما تقوم به شركة «نوتيلس مينيرالز» والعمليات التجارية الأخرى، لانعدام جدواه اقتصاديًّا، ويصف ما سيقدِّمون بأنه «ليس أكثر من عروض توضيحية». ويقول الكثيرون في مجتمع العلوم البحرية الكوري إن المعهد الكوري لعلوم وتكنولوجيا المحيطات نفسه منقسم، فبعض الباحثين العاملين به في غضب شديد تجاه خطة أعمال التعدين المفروضة عليهم من قِبَل وزارة المحيطات.
جَدَل عام
بلغ الخلاف طويل المدى بين الوزارة ومنتقديها ذروته في عام 2008، مع اقتراح بناء السفينة «آيزابو». ووقف معهد تنمية كوريا (مؤسسة بحثية في مدينة سيجونج، مكلَّفة بتقييم المشروعات الحكومية الكبيرة) في صف النقاد قائلًا إن الفوائد الاقتصادية لتعدين قاع البحر غير مؤكدة. وافقت هذه المؤسسة على بناء السفينة، شريطة إتاحة استخدامها للمجتمع الأكاديمي. كذلك أوصى فريق من الباحثين برئاسة لي بأن تُدار السفينة من قِبَل لجنة تضم ممثلين للحكومة والمجتمع الأكاديمي والصناعة، إلا أن وزارة المحيطات نقلت إدارة السفينة في عام 2013 إلى المعهد الكوري لعلوم وتكنولوجيا المحيطات في صفقة سرية. في ذلك الوقت، اعتبر المعهد أن الخيار الأكثر فعالية من حيث التكلفة هو القيام بكل من إدارة السفينة والإشراف على أبحاثها، هكذا قال هيونتاي كيم، مدير إدارة التنمية بالوزارة.
أصابت هذه الخطوة لي بالإحباط؛ مما جعله يتوجه إلى المجلس الرسمي للنقاش العام. في 24 أكتوبر الماضي، حضر لي، الذي يُعَدّ واحدًا من أكثر علماء البلاد شهرة، ومُدافِعًا معروفًا عن حقوق المعاقين (أصيب بالشلل من عنقه الى أطرافه في حادث مركبة آلية في عام 2006)، للشهادة في المجلس التشريعي الوطني، متهِمًا وزارة المحيطات بإبرام صفقة سرية مع المعهد الكوري لعلوم وتكنولوجيا المحيطات. وبنهاية شهادته، وافق الوزير جو-يانج لي على إتاحة استخدام السفينة «آيزابو» للمجتمع الأكاديمي، مما مهَّد الطريق لعملية مراجعة المقترحات البحثية، بناء على الجدارة والاستحقاق.
يقول تشوي، بعد أن أتيحت له إمكانية قيادة جولة محيطية كبيرة، إنه يأمل في أن يأخذ السفينة «آيزابو» إلى المحيط الهندي. فهو يريد مساعدة الدول في جنوب شرق آسيا ـ مثل ميانمار وبنجلاديش ـ التي لديها مساحات كبيرة من الدلتا الساحلية المنخفضة في الوصول إلى فهْم أفضل للمخاطر المترتبة على ارتفاع مستوى سطح البحر، والتسونامي.
بسبب إعاقته، لم يعد لي قادرًا على الإبحار في الجولات، إلا أنه عبَّر عن إحساسه بالرضا لتَمَكُّنه من تسخير شهرته للحصول على نتيجة إيجابية. وقال: «أحسست بشعور عظيم. نعم، إن هذا تعويض لي على إعاقتي. أحسست بالمكافأة».






















































































