قد نتفهّم الانقلاب على بحارة الصيد البحري في ما يخص التعويضات التي وضعها صندوق تدبير تداعيات أزمة كورونا لفائدة المتضررين من توقف أنشطتهم بسبب الجائحة.
و ربما في مداخلة وزير التشغيل أمام المركزيات النقابية بخصوص استثناء بحارة الصيد البحري من الاستفادة من التعويضات استنادا الى أن قطاع الصيد البحري قطاع انتاجي موكول اليه تموين السوق الداخلي و مصانع التصبير السمكي التي لديها التزامات مع السوق الدولية ، هي مردود عليها، عندما يسقط السيد الوزير نشاط الموانئ الجنوبية على باقي الموانئ، يو يضفي القدسية الوطنية على استمرار نشاط الصيد و القول أن المنتوجات السمكية تعد من أهم المواد الغذائية للشعب المغربي في شهر رمضان.
و أذكّر معاليه أن المغرب لم يصل بعد معدل الاستهلاك السمكي للمواطن 16كلغ سنويا اطلاق استراتيجية اليوتيس منذ أكثر من عقد من الزمن(2009)، حتى يكون السمك له من الأهمية البالغة التي تصيب المواطن المغربي بفاقة غذائية او عوز في التغذية، كما أن فقط هذه الموانئ المذكورة و هي أكادير و طانطان و العيون وحدها قادرة على تمويل المغرب و تسد احتياجاته من المنتوجات البحرية ، بين الطري و المجمد بجميع أنواعه و كذا المستورد، و المصنع/المصبّر، بمعنى أن المغرب لا يعاني و لن يعاني من غياب السمك على مائدته، و ليس من الأولويات و إنما من الترف الغذائي، و خصوصا في الأزمات، و بالتالي فالترويج لأهمية استمرار نشاط الصيد البحري كعذر لإسقاط بجارة الصيد البحري من أي استفادة من التعويض عن التوقف على غرار قطاعات أخرى يبقى من باب التملص من المسؤولية .
و بالعودة الى القفف التي توزعها السلطات المحلية بعموم تراب المملكة على الفئات الهشة بالمجان هل تجد معاليك علبة من “الأسماك المصبّرة” الى جواد الدقيق و الزيت و السكر،أقول أبداً ، ببساطة لأن مفكرة الجهات التي تقف على إعداد البرنامج الغذائي و التمويني للمواطن لا يستقر في وعيها إدراج السمك كمصدر بروتيني علما أن كميات مهمة مكدسة في المخازن و المحلات التجارية لسنين بالنظر الى مدة صلاحيتها 4 سنوات ، و هو أمر مرتبط بالثقافة الغذائية ، وبالتالي عندما نقول ” سمك مصبر” نقول وحدة إنتاجية تحتاج الى تموين من مراكب الصيد، و ربما هنا يشفع الدفع بضرورة استمرار نشاط الصيد و صناعة السمك.
ما لا يعلمه وزير التشغيل أن البون شائع بين وضعية موانئ الداخلة، العيون و طانطان، و حتى أكادير من حيث حجم الإنتاج و بين ميناء الجبهة مثلا الذي ضربته كارثة طبيعية غمرته و شلت نشاط الصيد به ، أو ميناء العرائش الذي اختلط به العبث مع الجشع و سوء التقدير حتى تحولت معه معامل لتصبير السمك الى بؤرة وبائية، وكذلك الشأن بالنسبة لأحد معامل لمعالجة الأربيان بطنجة، و موانئ أخرى تقع في بؤر الوباء ، و أخرى يعاني مهنيوها من المضاربة في الأثمان ما يدفعها قسرا و قهرا الى التوقف في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب سوء الأحوال الجوية آو بسبب هجمات النيكرو..
ما لا يعرفه وزير التشغيل أن والسلطات الولائية بجهة الداخلة وادي الذهب عندما أصدرت تعليماتها بتوقيف نشاط الصيد بنقط الصيد ترتب عن القرار مغادرة آلاف البحارة للالتحاق بدويهم و مشاطرتهم فترة الحجر الصحي، علما أن المنطقة تنشط على صيد الرخويات و هو نشاط موسمي، و مسجلون في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، و لو كان يمتهنون التهريب و الصيد الغير القانوني لاستغلوا الفرصة و استمروا في نشاطهم، مع استحضار أن فئة البحارة مدرجون في قائمة المسمولين بالاستفادة من المنحة الاستثنائية، أضف الى ذلك أن صدور قرار توقيف الرحلات عبر المدن، اصبح مانعا قويا في العودة الى مقرات العمل بعد ما بادتهم الحكومة من تراجع.
هذه الفئة من العالقين، ماذا سيكون مصيرها و كيف سيتم معالجة وضعيتها، و من يتحمل مسؤولية ضررها، و كيف سيتم حفظ حقوقها، بعد تخلي صناديق الإغاثة من التزاماتها اتجاه البحارة، و بعد ما تنصلت الحكومة من تعويض البحارة بدعوى أن الصيد البحري قطاع منتج و يمون السوق بالمنتوجات البحرية.
فئة أخرى ظهرت بعد هذا التراجع في الخطاب الخاص بالتعويضات، و هي مراكب الصيد البحري التي بقيت عالقة في عدد من الم;وانئ بدون اكتمال أطقمها العالقة بعيدة عن مراكبها ، ما مصير البحارة المرتبط مصيرهم بالغائبين ؟
صحيح أن عدد من مراكب الصيد الساحلي قد استأنفت نشاط الصيد غير أن هناك كثيرون عجزوا عن مغادرة الموانئ بسبب غياب الأطقم، و في الحد الأدنى عدم اكتمال الأطقم ، فمن سيعوض المجهز، و الربّان، و البحار المستعد للخروج، و البحار العالق؟ الا يكون هذا سببا منطقيا للتعويض عن التوقف الاضطراري بسبب جائحة كورونا؟.
إن ما يعيشه قطاع الصيد البحري على عدة مستويات يرجع بالأساس الى وجود خلل كبير في التواصل بين التمثيليات المهنية و النقابية و مؤسسات الدولية، بغض النظر عن الوزارة الوصية التي هي الصيد البحري، فلا يمكن مراجعة مدونة الصيد البحري لتكون ملائمة مع الألفية الثالثة ، و لا يمكن مراجعة نظام الحماية الاجتماعية بالحصص التي تبتلع ملايير الدراهم من حصة البحار و المجهز و كذلك التأمين ، و لا يمكن مراجعة أثمنة الوقود لفائدة الصيد الساحلي ، و لا يمكن تفعيل تأميم مؤسسة الإنقاذ البحري، أو إخراج قضاء بحري، و حماية حقوق التنافسية….و غيرها.
لا يمكن خلخلة هذا الوضع الذي تضيع فيه المصالح إلا عبر فتح نقاش عمومي يشمل جميع الأطراف،
و الذي يحتاج الى كثير من التواضع و التبصر و الحكمة، خصوصا في أفق استراتيجية وطنية لتطوير قطاع الصيد البحري ما بعد كورونا.
حاميد حليم
مستشار في الاعلام البحري و التواصل .























































































