بعد 142 سنة من احتلال الصحراء (1884-1975) الى ما بعد الاجلاء (1975-2026)، يصادق البرلمان الاسباني على مشروع قانون بشأن «تجنيس الصحراويين» المولودين خلال فترة الاحتلال الاسباني للصحراء المغربية.
إسبانيا التي احتلت الصحراء بتحايل وتدليس الجمعيات التجارية والاستكشافية ، ونهبت ثرواتها البرية و استباحث ثرواتها البحرية ، وحجمت مجالها المتتد الى ما بعد الحدود المصطنعة بتواطء مع فرنسا، وقسمت مكوناتها الديموغرافية ، ونكلت بساكنتها وتعاملت معها كمكون غير إسباني طيلة فترة الاحتلال، بل ووصفهم خوانكارلوس في خطاب الاجلاء ب”الخونة” ، ها هي و بعد تفكير عميق و حسابات معقدة يصادق برلمانها على قانون «تجنيس الصحراويين»، في 10 شتنبر 2026.
لكن ماذا تعني هذه الخطوة في يوم 10 شتنبر 2026.
الخطوة لا يجب استقبالها بشكل سطحي على أنه تفاعل مع صوت قادم من مخيمات تندوف تسلل الى البرلمان الاسباني، بل تفرض، في سياقها الزمني والسياسي، قراءة تتجاوز مضمونها القانوني الظاهري إلى ما يمكن أن تحمله من رسائل سياسية وتداعيات على العلاقات المغربية الإسبانية وعلى قضية الوحدة الترابية للمملكة.
فأن تتزامن هذه الخطوة مع انطلاق الاستحقاقات الانتخابية التشريعية بالمغرب، التي تشمل الأقاليم الجنوبية، يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفياتها وتوقيتها، خصوصاً أن ملف الصحراء ظل تاريخياً مجالاً لتوظيف أوراق سياسية وقانونية ذات حمولة استعمارية في كل مرة تتقاطع فيها الحسابات الداخلية لبعض القوى الأوروبية مع مصالحها وعلاقاتها بالمغرب.
وإذا كان من الصعب الجزم بنوايا الجهات التي دفعت بهذا الملف في هذه اللحظة تحديداً، فإن تزامنه مع الاستحقاق الانتخابي المغربي يفتح الباب أمام قراءة سياسية ترى فيه محاولة للتشويش على الدينامية الانتخابية في الأقاليم الجنوبية، والتأثير النفسي والإعلامي على الناخبين، وربما إرباك المشاركة السياسية و حتى العزوف و المقاطعة ، و بالتالي إنتاج صورة مضادة يمكن توظيفها خارجياً للتشكيك في مستوى المشاركة والتمثيلية الديمقراطية، خصوصاً أن الانتخابات في الأقاليم الجنوبية لا تُقرأ فقط باعتبارها استحقاقاً انتخابياً عادياً، وإنما باعتبارها أيضاً تعبيراً مؤسساتياً عن ممارسة السكان لحقهم في اختيار ممثليهم داخل المؤسسات الوطنية.
والأكثر إثارة للانتباه أن الخطوة البرلمانية الإسبانية تأتي في سياق يتسم أصلاً بازدواجية واضحة في المواقف الإسبانية؛ فالحكومة الإسبانية أعلنت عام 2022 عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب باعتبارها الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية لتسوية النزاع، بينما تسمح المؤسسة التشريعية بفتح ملفات ذات صلة مباشرة بإرث المرحلة الاستعمارية الإسبانية للصحراء، بما يعيد إلى الواجهة أسئلة التاريخ والاختصاص والسيادة، ويمنح بعض التيارات السياسية إمكانية توظيف الذاكرة الاستعمارية في سجالاتها الداخلية والخارجية.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة:
كيف يمكن لدولة أوروبية أن تتعامل مع مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مدخلاً واقعياً للحل، ثم تتيح في الوقت نفسه إعادة إنتاج مقاربات قانونية وسياسية تستند إلى وقائع ومرجعيات تعود إلى مرحلة استعمارية انتهت منذ عقود؟
إن هذا التناقض لا يمكن فصله عن طبيعة المشهد السياسي الإسباني، حيث تتداخل الحسابات الحزبية والانتخابية مع قضايا السياسة الخارجية، وحيث يمكن لبعض التيارات واللوبيات المناوئة للمغرب أن تعيد تدوير ملفات تاريخية كلما وجدت في ذلك فرصة للضغط السياسي أو تحقيق مكاسب داخلية. غير أن الرد الأكثر قوة على مثل هذه المناورات لا ينبغي أن يظل محصوراً في الاحتجاج الدبلوماسي أو السجال الإعلامي، بل إن الرد الحقيقي يمر، قبل كل شيء، عبر ممارسة السيادة على الأرض وتجسيدها من خلال المؤسسات والمشاركة الديمقراطية؛ فالإقبال المكثف لسكان الأقاليم الجنوبية على صناديق الاقتراع سيكون، في هذا السياق، رسالة سياسية واضحة إلى كل من يحاول اختزال قضية الصحراء في وثائق استعمارية أو مراسيم تصدر من خارج الحدود، لأن السيادة لا تُثبت فقط بالخطابات، وإنما أيضاً بالمؤسسات والانتخابات والمشاركة الشعبية والتنمية والارتباط اليومي بالمؤسسات الوطنية.
ومن هذه الزاوية، فإن المشاركة الواسعة في الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وإن كانت ممارسة لحق دستوري، فينبغي أن تُفهم كذلك باعتبارها أيضاً تعبيراً عن وعي سياسي قادر على تحويل الانتخابات إلى أداة لتأكيد الحضور المؤسساتي والاختيار الشعبي، وإسقاط أي محاولة للتشكيك في تمثيلية سكان الأقاليم الجنوبية أو اختزالهم في وضع قانوني تحدده عواصم أجنبية. فمغربية الصحراء، بالنسبة إلى المغرب، ليست مجرد شعار سياسي يُرفع في المناسبات، وإنما هي ممارسة يومية للسيادة عبر المؤسسات والإدارة والتنمية والانتخابات والمشاركة في صناعة القرار الوطني، ولذلك فإن محاولة استدعاء الإرث الاستعماري عبر قوانين التجنيس أو غيرها من الأدوات القانونية لن تغير من حقيقة أن مستقبل الأقاليم الجنوبية يُصاغ اليوم داخل المغرب، وبمشاركة سكانها وفي إطار مؤسساته، وليس من خلال قرارات تصدر في مكاتب مدريد أو غيرها.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي استخلاصها من هذه التطورات هي أن المعركة حول الصحراء المغربية هي معركة مستمرة، ولم تعد تُخاض فقط في ساحات الدبلوماسية أو في المحافل الدولية، وإنما أيضاً في ساحات الديمقراطية والتنمية والتمثيلية السياسية؛ وكلما كانت المشاركة الشعبية أقوى، والمؤسسات أكثر حضوراً، والتنمية أكثر تجسيداً للعدالة المجالية، أصبح من الصعب على أي خطاب خارجي أن يعيد رسم واقع مختلف عن الواقع الذي يعيشه الناس على الأرض.
فالسيادة لا تُستعاد من أرشيف التاريخ، ولا تُمنح بمراسيم برلمانية، وإنما تُمارس بالمؤسسات، وتُجسد بالمشاركة، وتُحصّن بالوعي السياسي والشعبي.
كتبها للمغرب الأزرق الأستاذ حاميد حليم
*المستشار في الاعلام البحري والتواصل.






















































































