محمد كولال- المغرب الأزرق
بادئ ذي بدء لا بد لنا من الإشارة أولا إلى أن قانون الصيد المغربي ، المنبثق عن الظهير الشريف المتعلق بتنظيم قطاع الصيد لسنة 2004 ، كان إمتدادا وتكريسا للتوجه المنتهج في قانون الصيد الصادر عن ظهير 1973 والمتكون من ستة فصول قانونية فقط ، تصب أغلبها في خانة واحدة وهي جباية الضرائب ، واستخلاص الرسوم عن أبسط الإستغلالات البحرية ، مع تبني إجبارية التوفر على ترخيص محدد لكل نوع محدد من الصيد ، كإجراء إحترازي لتقييد حرية الإستغلال العفوي ( الصيد التقليدي بالخصوص )، النابعة من إحساس المغاربة بأنهم مواطنون بكل ما تحمله المواطنة من معنى ، ولهم كامل الحق في الإستفادة من معطى توفرهم على إمتداد بحري يصل إلى 3500 كلم ، ويشجعهم بل ويحثم عليهم ربط موارد رزقهم بهذا المعطى الطبيعي البحري ، الذي يبقى حاضرا وراسخا في مخيلتهم وثراثهم منذ القدم ، ولا يمكن تجاهله في أي حال من الأحوال ، مع ما يتطلبه الحصول على هذه التراخيص من سلطة ونفوذ ومال ، وما الإحجام عن نشر لائحة المستفيدين من رخص الصيد ، إلا دليل قاطع على أن هؤلاء المستفيدين يعتبرون أناسا غير عاديين وفوق القانون ، ولا ينطبق عليهم ما ينطبق على باقي المغاربة من حقوق وواجبات ، وهذا في حد ذاته شكلا من أشكال الميز العنصري ، الذي ينبذه الدستور المغربي وتدينه كل القوانين الدولية ، وهذا جل ما تمحورت حوله مضامين كل من الفصل الأول والثاني والثالث من قانون 1973 ، بينما جاء الفصل الرابع لتكريس تغييب المواطن المغربي البحار منه والصياد ، وتهميشه عبر فرض تراخيص عليه عند مزاولته للصيد بالسباحة ( الصيد البحري العميق )، يترتب عنها أداء ضريبة معينة ، بينما أعفي السياح غير المقيمين من هذه الإجراءات ، ودون وضع أية قوانين أو ضوابط حول المدة الزمنية المسموح بها لهم ، وكذا الكمية المحددة للإصطياد لهم ، وذهب المشرع إلى أبعد من ذلك بكثير بلغ إلى حد فرض الترخيص ، حتى على الصيادين الذين يصطادون بالشباك راجلين في الشواطئ ،على الرغم من مجانية هذا الترخيص إلا أنه يبقى مقيدا بعدة التزامات ، أما الفصل السادس فقد خصص للمنع بامتياز ، بحيث تم منع الصيادين من الإصطياد والصيد في الكثير من الأماكن والأوقات التي أضحت ممنوعة حسب هذا القانون .
وبعد إنتظار دام 31 سنة ، فجعت أسرة قطاع الصيد بإقصائها للمرة الثانية على التوالي من المخططات الوطنية التشريعية ، ولم تحظ بأدنى إلتفاتة أو إشارة ولو سطحية للعنصر البشري ، الذي يعتبر نواة القطاع البحري ووقوده ، الذي تقوم على كاهله مسؤولية جلب المنتوج وتحضيره وتسويقه ، في ظروف أقل ما يقال عنها انها مجحفة وغير عادلة ، في مقابل ما يتقاضونه من أجور وما يعيشونه من أوضاع ، حيث ركز المشرع المغربي في قانون الصيد لــ 2004 ،على وضع المزيد من القيود والموانع على مهنيي القطاع تسير كلها في صالح ومصلحة أطراف معينة ، على حساب إهمال وتهميش دينامو القطاع ككل والذين رجال البحر ، إذ يظهر أن المشرع وعند وضعه لهذه القوانين لم يستحضر في باله ، ما تعانيه شغيلة القطاع من حيف ، بخصوص ظروف العمل الصعبة وعقود العمل المجحفة ، وسن التقاعد غير العادل الذي يجب إعادة النظر فيه مجددا بتقليصه خلافا لباقي المهن الأخرى ، مراعاة للظروف القاسية وغير العادية التي يشتغل فيها هؤلاء البحارة البواسل ، بفعل الإكراهات الطبيعية والتأثيرات النفسية والظروف البيئية السيئة والمخاطر المحدقة الواردة غالبا ، وغياب المتابعة الصحية المستمرة ، ولكن كل ما كان يشغل تفكير المشرع هو وضع قوانين رقابية وزجرية بغية ضبط القطاع لتسهيل التحكم فيه والسيطرة عليه من خلال تضييق الخناق عليه و حصاره داخل دائرة من الأمية والجهل تضمن صمته الابدي لعدم درايته بحقوقه ومستحقاته وكيفية الدفاع عنها ، ولهد يتوجب على المشغلين أن يمكنوا شغيلتهم من حق الإستفادة من دورات تكوينية وتوجيهية مبرمجة ودائمة ، بإيعاز وتشديد من مندوبية الصيد أو مندوبية الشغل إذا تطلب الأمر ذلك ، لكن المشرع في قانون 2004 تغاضى عن كل هذا وعن أشياء أخرى مثلها كثيرة ، وذهب بعيدا في ترتيب مختلف أنواع الشباك ، وأنواع الطعم ووسائل الصيد الممنوعة وتلويث المياه ، والنظام الخاص بحجم الأسماك المصطادة ، وقواعد الملاحة والمراقبة المطبقة على بواخر الصيد ، وخير ما إختتم به هدا القانون لائحة من العقوبات والغرامات ، دون أي محاولة للدخول في أي تفاوض جماعي ، لترسيخ مفهوم الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها في الدستور الجديد ل 2011.
لنخلص في الأخير إلى أن أي قانون لا ينبع من داخل رجالات البحر أنفسهم ، فحتما لن يعبر عن إرادتهم وعن واقعهم وعن إكراهاتهم اليومية ، وحتى لا يتكرر سيناريو كل من 1973 و 2004 ، لا بد من تكثيف جهود كل شغيلة القطاع للسعي قدما نحو إنجاز مدونة كاملة للبحر نابعة من واقعهم المعيشي وناطقة بلسان حالهم . فأهل مكة أدرى بشعابها .























































































