في25 يونيو من كل سنة، يشكل اليوم العالمي لرجال البحر مناسبة للاحتفاء بآلاف الرجال الذين يعانقون الأخطار و المخاطر يومياً لتأمين الغذاء وحركة التجارة والاقتصاد العالمي.
غير أن هذه المناسبة تطرح في المغرب سؤالاً مؤرقاً: إلى أي حد نجحت الترسانة القانونية الوطنية والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة في تحسين حياة رجال البحر والصيادين على أرض الواقع؟
فبينما يواصل المغرب تعزيز حضوره كقوة بحرية إقليمية، ويقدم نفسه نموذجاً صاعداً في الاقتصاد الأزرق واستدامة الموارد البحرية، لا يزال جزء مهم من الشغيلة البحرية(َ130 الف) يعيش أوضاعاً مهنية واجتماعية تثير الكثير من علامات الاستفهام. فالمسافة بين النصوص القانونية والممارسة الميدانية تبدو أحياناً أكبر من المسافة الفاصلة بين الميناء ومناطق الصيد في عرض المحيط.
المغرب العضو في المنظمة الدولية البحرية OMI انخرط مبكراً في المنظومة الدولية لحماية البحارة والعاملين في البحر، وصادق على عدد من الاتفاقيات التي تهدف إلى تحسين ظروف العمل والسلامة المهنية والحماية الاجتماعية. ومن بين أهم هذه المرجعيات اتفاقية العمل في قطاع الصيد البحري واتفاقيات السلامة والتكوين البحري التي تؤكد جميعها على الحق في العمل اللائق والرعاية الصحية وظروف الإقامة المناسبة والتكوين المستمر والحماية من المخاطر المهنية.
غير أن الواقع الذي يعيشه عدد كبير من البحارة يكشف عن فجوة حقيقية بين روح هذه الاتفاقيات وممارسات القطاع. فالكثير من العاملين ما زالوا يشتغلون في إطار علاقات مهنية غير مستقرة ، ويخضعون لأنظمة تقليدية في التشغيل والتعويض، بينما تستمر بعض الممارسات التي تحمل البحار جزءاً من التكاليف التشغيلية للرحلة البحرية، رغم أن المنطق الاجتماعي الحديث يقوم على تحميل المشغل مسؤولية توفير شروط العمل الأساسية.
وتبرز إحدى أكثر الإشكالات تعقيداً في ما يعرف بنظام “الحصة”، الذي يقوم على تقاسم عائدات الرحلة البحرية بين المجهز والبحارة. فرغم أن هذا النظام كان يستند تاريخياً إلى مفهوم الشراكة في المخاطر والعائدات، فإن تطبيقاته الحالية تثير نقاشاً واسعاً داخل الأوساط المهنية والحقوقية. فالبحار يتحمل في كثير من الأحيان آثار ارتفاع التكاليف وتقلبات السوق وضعف المردودية، دون أن يستفيد من الضمانات التي يتمتع بها الأجير في القطاعات الأخرى، سواء من حيث الاستقرار المهني أو وضوح العلاقة التعاقدية أو إمكانية اللجوء إلى آليات الحماية القانونية.
وإذا كانت معظم القطاعات الاقتصادية تخضع لقواعد واضحة تنظم ساعات العمل والعطل الأسبوعية والرسمية، فإن العمل البحري يظل حالة استثنائية. فالبحار، بمجرد صعوده إلى متن المركب أو السفينة، يدخل في دورة عمل متواصلة قد تمتد لأيام أو أسابيع، حيث يصبح رهن متطلبات الرحلة البحرية وظروف الصيد. فلا الأعياد الدينية والوطنية، ولا عيد الشغل، ولا المناسبات الاجتماعية تشكل بالضرورة محطات راحة بالنسبة له، إذ يستمر العمل في عرض البحر وفق إيقاع تفرضه الطبيعة ومتطلبات النشاط الاقتصادي.
كما تطرح منظومة الحماية الاجتماعية الخاصة برجال البحر تساؤلات متجددة حول فعاليتها في أوقات الأزمات. وقد شكلت جائحة كوفيد-19 اختباراً حقيقياً لهذه المنظومة، بعدما وجد عدد كبير من البحارة أنفسهم في وضعية اجتماعية صعبة نتيجة توقف النشاط أو تقييده، بينما بقيت فئات واسعة منهم دون دخل قار أو مواكبة اجتماعية كافية. وأعاد ذلك إلى الواجهة النقاش حول جدوى الاقتطاعات والمساهمات التي تؤدى باسم البحارة لفائدة بعض الصناديق الاجتماعية وآليات الإغاثة، ومدى قدرة هذه المنظومات على التدخل السريع والفعال عندما يصبح البحار في أمس الحاجة إلى الدعم والحماية.
ومن بين أكثر القضايا إثارة للنقاش أيضاً مسألة التغذية على متن السفن. فالاتفاقيات الدولية المنظمة للعمل البحري تعتبر توفير الغذاء والماء الصالح للشرب حقاً أصيلاً من حقوق البحار والتزاماً يقع على عاتق المجهز أو المشغل، باعتباره جزءاً من شروط العمل اللائق. غير أن الممارسة داخل أجزاء من القطاع لا تزال تعتمد احتساب تكاليف المؤونة والتغذية ضمن مصاريف الرحلة البحرية التي تخصم من المداخيل قبل توزيع الحصص، وهو ما يجعل البحار يتحمل فعلياً جزءاً من تكلفة حق يفترض أن يكون مضموناً له بحكم القانون والاتفاقيات الدولية.
وتبرز مفارقة أخرى لا تقل أهمية خلال فترات الراحة البيولوجية، التي تعد أداة أساسية لحماية الثروة السمكية وضمان استدامتها. فرغم أن البحار هو أول من يتحمل تبعات التوقف عن العمل وفقدان الدخل خلال هذه الفترات، فإن آليات التعويض والمواكبة الاجتماعية لا تزال محدودة مقارنة بحجم الأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي تتحمله الأسر البحرية. وهنا يطرح سؤال جوهري حول العدالة الاجتماعية في سياسات الاستدامة: هل يمكن حماية المخزون السمكي على المدى الطويل دون حماية الإنسان الذي يعتمد عليه في معيشه اليومي؟
ومن المفارقات التي يطرحها القطاع أيضاً أن الخطاب الرسمي كثيراً ما يحتفي بأرقام التكوين المهني البحري وعدد الخريجين المسجلين سنوياً، بينما تشير مؤشرات ميدانية متعددة إلى تزايد الصعوبات التي تواجهها المقاولات البحرية في استقطاب اليد العاملة المؤهلة. فالعزوف المتنامي للشباب عن المهن البحرية لم يعد مرتبطاً فقط بصعوبة العمل في البحر، بل أيضاً بضعف الجاذبية الاجتماعية والاقتصادية للمهنة مقارنة بقطاعات أخرى توفر استقراراً أكبر وظروف عمل أكثر وضوحاً.
ولا يتعلق الأمر هنا بمشكلة تشغيل عابرة، بل بتحدٍ استراتيجي قد يؤثر مستقبلاً على استدامة القطاع نفسه. فالموارد البحرية مهما بلغت أهميتها لا يمكن استغلالها أو تثمينها دون رأسمال بشري مؤهل ومتحفز وقادر على نقل الخبرة بين الأجيال. وإذا استمر نزيف الكفاءات وعزوف الشباب، فإن قطاع الصيد البحري سيجد نفسه أمام معضلة حقيقية تتجاوز بكثير إشكالات الإنتاج والمردودية.
كما أن التحولات المناخية التي يعرفها العالم تضيف ضغوطاً جديدة على رجال البحر. فارتفاع حرارة المياه، وتغير أنماط توزيع المصايد، وتزايد فترات سوء الأحوال الجوية، كلها عوامل تجعل العمل البحري أكثر صعوبة وخطورة مما كان عليه في السابق، وهو ما يستدعي تطوير منظومات الحماية الاجتماعية والتأمين والتعويض بما يتناسب مع طبيعة هذه المخاطر المتزايدة.
وأمام هذه التحديات، يبدو من الضروري الانتقال من مرحلة المصادقة على الاتفاقيات الدولية إلى مرحلة التفعيل الكامل لمضامينها داخل الموانئ وعلى متن المراكب. فإقرار عقود عمل واضحة، وتوسيع الحماية الاجتماعية، والاعتراف بالمهن البحرية كمهن شاقة وخطيرة، وتحسين شروط السلامة والتغذية والإقامة، وإيجاد آليات للدعم خلال فترات التوقف القسري والراحة البيولوجية، لم تعد مطالب فئوية ضيقة، بل أصبحت جزءاً من شروط استدامة الاقتصاد البحري نفسه.
إن نجاح المغرب في بناء اقتصاد أزرق قوي لا يقاس فقط بحجم الصادرات البحرية أو بمؤشرات الإنتاج والاستثمار، بل يقاس أيضاً بمدى قدرة هذا الاقتصاد على ضمان الكرامة والحماية والاستقرار لمن يصنعون هذه الثروة يومياً في عرض البحر. فبين النصوص القانونية المتقدمة والواقع الميداني المتعثر ما تزال هناك فجوة تحتاج إلى إرادة إصلاحية حقيقية تجعل من رجل البحر شريكاً كاملاً في التنمية البحرية، لا مجرد حلقة ضعيفة داخل سلسلة إنتاج الثروة.
وفي اليوم العالمي لرجال البحر، ربما يكون أفضل تكريم لهذه الفئة ليس في الشعارات والاحتفالات، بل في تحويل الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية إلى واقع ملموس يلمسه البحار في مركبه، وفي أجره، وفي أسرته، وفي مستقبله المهني والاجتماعي.
كتبها للمغرب الأزرق الاستاذ حاميد حليم.
∗المستشار في الاعلام البحري و التواصل و عوض المرصد العلامي للصيد المستدام و الاقتصاد الازرق بأفريقياOMPDA.





















































































